ما هي لغة البشر ؟
في الوهلة الأولى ,قد يبدو السؤال حول ماهية لغة البشر غريبا .
نحن نستخدم اللغة بشكل مرتجل ,و بلا وعي ,إلى درجة يغدو التفكير فيها عملا مجهدا.
و لكن منذ الستينات ,مر فهمنا للغة البشر عبرتغييرات عميقة .
هذا التغيير هز أساسات الدراسات اللغوية الأكاديمية ,
و إن ظلت و إلى حد بعيد غير معروفة لدى العامة (وقد أظيف للأكاديميين خارج وسط علماء اللغة ).
الأساس في هذه الثورة هو:
تبدو ملكة اللغة البشرية مبرمجة بشكل حتمي في بنية أذمغتنا hard-wired .
أي أنها بعبارة أخرى تكيف جسدي من قبل نوعنا للبيئة التي وجد أسلافنا أنفسهم فيها .
رد الفعل الأولي لأغلب الناس على هذا الادعاء هو عدم التصديق
ففي الواقع ,يتحدث البشر آلاف اللغات المختلفة و أي أمر يتجسد بهذا الكم من التنوع من ثقافة لأخرى
يجب بالتأكيد أن يكون نتيجة للتعلم الاجتماعي و ليس بفعل برمجة فطرية في الدماغ و متحكم بها وراثيا .
لكن تمعن ,إن شئت , في الملاحظة التالية :
1 الأطفال في العالم أجمع يبدأون في اكتساب اللغة عند العمر نفسه.
فهم يبدأون في المناغاة عند سن سبعة أو ثمانية أشهر ,
مستخدمين الأصوات نفسها بغض النظر عن اللغة التي يتحدث بها حولهم .
الأطفال الصم الذين يتكلم آباؤهم باستخدام لغة الإشارة يناغون باستخدام أيديهم !
2يكتسب الأطفال اللغة في تسلسل محدد جدا .على سبيل المثال
المتحدثون بالأنجليزية يكتسبون الصوت a قبل الصوتين i و u , و أصوات p b m قبل صوت t .
و قرب عيد ميلادهم الأول , يبدأ الأطفال في اكتساب الكلمة الكاملة .
(كل هذا بالإضافة إلى المزيد) يبدو أنه يحدث بغض النظر عن بيئة الطفل أو اللغة المعينة التي يتعرض لها الطفل .
كما لا يبدو أنه يعتمد على مدى تحفز الطفل أو ذكائه
3 اكتساب اللغة سريع جدا .مع سن السادسة يتحدث أغلب الأطفال بجمل سليمة القواعد بلغتهم الأم.
الأطفال الذين لا يكتسبون اللغة مع سن السادسة يعانون كثيرا في التحدث فيما بعد في الحياة ـ
كلما طال التأخير ,زادت المشكلة.إحدى نتائج هذه الحقيقة هي الصعوبة المعروفة
جيدا التي يواجهها البالغون في تعلم لغات أجنبية .
4 بناء على بعض التقديرات , فإن الخريج المتوسط من الثانوية الأمريكية يعرف 45 ألف كلمة .
إذا افترضنا أن عمر المتخرج 18 عاما و بدأ يتعلم الكلمات عند سن سنة ,
فإن الناتج سيكون حوالي 2600 كلمة متعلمة كل سنة ,سبع كلمات كل يوم ,
أو كلمة جديدة كل ساعتين من اليقظة , و لمدة سبع عشرة سنة متواصلة !
هذا يا أصدقائي ,تعلم سريع .و محاولة تخيل كيف يمكن اكتساب اللغة دون
نوع من الأساس الوراثي ستكون أمراصعبا .
لو أخذنا هذه الحقائق , فإن فكرة احتمال وجود نوع من القدرة البشرية على اكتساب اللغة
تبدو أقل لا معقولية .لكن الأدلة الواقعية للطبيعة الفطرية للغة تتأتى من إدراكنا ,
الذي يرتبط في العادة باسم العالم اللغوي في جامعة MIT نعوم شومسكي Noam Chomsky
بأن كل اللغات البشرية تشترك المجموعة العميقة نفسها من القواعد النحوية .
الواقع أن الباحث ستيفن بينكر steven pinker من إم آي تي يذهب في كتابه الرائع
فطرة اللغة the language instinct إلى حد القول إنه انطلاقا من وجهة نظر تشومسكي ,
لو زار عالم من كوكب المريخ الأرض فسيستنتج أنه "ما عدا الكلمات غير ذات المعنى,
فإن أهل الأرض يتكلمون لغة واحدة".
إن قوانين اللغة البشرية لا تتعلق بالأصوات أو الكلمات ,
بل بالطريقة التي تبنى بها اللغات - الطريقة التي يستخدم بها البشر تتالي أصوات معينة ذات معنى
.هذا النوع من القواعد التي نجدها في لغة اللغويين
(التي ,رحمة بنا, نسي غالبيتنا أنه قد تعلمها في يوم ما),
و تميل إلى أن تكون من نوع " إذا كان فإن", إذا كانت اللغة ذات خاصية أ , فإنها ستكون ذات خاصية ب .
لفهم مثال من هذه القواعد نحتاج إلى شئ من التمهيد.في العديد من اللغات
تضاف نهايات إلى الأسماء لتبيان كيف تستخدم في جملة .على سبيل المثال
,إذا بدأنا باللفظة الإنجليزية car بمعنى سيارة فإننا سنقول cars (سيارات)
للإشارة إلى أكثر من سيارة و the car's door باب السيارة للإشارة إلى أن الباب ينتمي للسيارة .
هذه أمثلة لما يعرف بالإرتداد inflections و اللغة الإنجليزية فقيرة نسبيا في الارتداد.
كل ما هنالك فقط الجموع و الملكية.
.ملاحظة :استرسل الكاتب هنا في وضع أمثلة أخرى من الألمانية و التشيكية
الفكرة هي أن اللغة البشرية تتألف من مستويين :المستوى العميق من القواعد المبرمج بحتمية وراثية ,
و المستوى السطحي من اللغة المنطوقة و المكتوبة .
و ما يحدث عند اكتساب لغة هو أن الطفل يركب انطباعاته عن اللغة التي يسمعها أو تسمعها
ضمن إطار من القواعد النحوية المبنية في ذماغه أو ذماغها .هذا السيناريو هو بالتأكيد
أبسط تفسير للبنية المشتركة في اللغات البشرية و لتسلسل اكتساب اللغة البشرية .
لأنه كما أشرنا سابقا , يمر الأطفال في كل مكان عبر التسلسل نفسه للإكتساب
.فيتدرج الطفل من المناغاة إلى الكلمة المفردة , فإلى الجملة المكونة من كلمتين
,و من ثم و فجأة التكلم بلغة فصيحة سليمة نحويا .
هذه الفجاءة في البدء بالكلام الفصيح هو الذي يعنينا بالأخص.
إحدى وسائل تفسير هذا هي أن "الدائرة الكهربية" تصبح موصولة .
في السبعينات من القرن العشرين ,نشر عالم النفس روجر براون ,roger brown ,
بعض الدراسات التي غدت معلما في دراسات اكتساب اللغة عند الأطفال
,و التي بين فيها هذا الإنتقال .فيما يلي أمثلة من عبارات أحد هؤلاء الأطفال
وهي جمل سترجع الصدى عند أي شخص مر في هذه العملية مع طفله.
سنتان و ثلاثة أشهر : play checkers,i got horn "العب شطرنج ,
أنا أصبحت قرنا" يستخدم الطفل لفظة horn بمعنى قرن عوضا عن bored بمعنى
مللت ,لوجود تشابه في وزن الكلمتين .
سنتان و ستة أشهر :what that egg doing ! i don't want to sit seat (ما الذي تفعله البيضة)
و لكن الطفل يهمل الفعل المساعد is في الشق الأول من من العبارة
(لا أريد أن أجلس كرسي ,الطفل يهمل حرف الجر على من الشق الثاني)
بعبارة أخرى , يبدو اكتساب اللغة كأنه مثل بدء البلوغ .
الأطفال المختلفون يصلون إليه في سنوات متباينة , لكن متى ما حدث فإنه يحدث بسرعة .
فيبدأ الأطفال بالتكلم بعبارات معقدة ,مستخدمين عبارات متداخلة بعضها في بعض ,
و بشكل عام تشبه عبارات الراشدين .و كل هذا يحدث دون تدريب معين
.إن فكرة وجود مجموعة فطرية من قوانين النحو هي بالتأكيد
أبسط فرضية قادرة على تفسير كل هذه الأشكال المختلفة من الانتظام في اللغة و اكتساب اللغة
إن ما نريد أن نعرفه حقا هو إلى أي مدى يستطيع الحيوان أن يتقدم على هذا المسار من اكتساب اللغة
من المناغاة إلى الكلام الفصيح . و تحديدا هل تستطيع الحيوانات أن تتجاوز لحظة "الإنفجار الضخم"
الذي يحدث عندما تبدأ الدوائر الكهربية للنحو العمل .
العدد 323 من سلسلة عالم المعرفة لشهر يناير 2006
هل نحن بلا نظير
عالِم يستكشف الذكاء الفريد للعقل البشري
تأليف : جيمس تريفل
ترجمة : ليلى الموسوي
_________________
